الشنقيطي
278
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
سعدا ، لكان غير بعيد ؛ ولكن يرده : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم خمسها ، كما قاله مالك ، وغيره . ومكة مأخوذة صلحا ؛ بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن » . هذا ثابت في صحيح مسلم . فالجواب : أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة ، ولذلك أدلة واضحة . منها : أنه لم ينقل أحد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صالح أهلها زمن الفتح ، ولا جاءه أحد منهم ؛ فصالحه على البلد ؛ وإنما جاءه أبو سفيان ؛ فأعطاه الأمان لمن دخل داره ، أو أغلق بابه ، أو دخل المسجد ، أو ألقى سلاحه . ولو كانت قد فتحت صلحا لم يقل « من دخل داره ، أو أغلق بابه ، أو دخل المسجد فهو آمن » « 1 » فإن الصلح يقتضي الأمان العام . ومنها : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنه أذن لي فيها ساعة من نهار » « 2 » . وفي لفظ : « إنها لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار » « 3 » . وفي لفظ : « فإن أحد ترخص بقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقولوا : إن اللّه أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس » « 4 » ، وهذا صريح في أنها فتحت عنوة . ومنها : أنه ثبت في الصحيح ، « أنه يوم فتح مكة جعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى ، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى ، وجعل أبا عبيدة على الحسر ، فأخذوا بطن الوادي ، ثم قال : يا أبا هريرة اهتف لي بالأنصار ، فجاؤوا يهرولون ، فقال : يا معشر الأنصار ، هل ترون إلى أوباش قريش ؟ قالوا : نعم ، قال : انظروا إذا لقيتوهم غدا أن تحصدوهم حصدا ، وأحفى بيده ، ووضع يمينه على شماله ، وقال : موعدكم الصفا ، وجاءت الأنصار ، فأطافوا بالصفا ، قال : فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه ، وصعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الصفا ، وجاءت الأنصار ، فأطافوا بالصفا ، فجاء أبو سفيان ، فقال : يا رسول اللّه أبيدت خضراء قريش ؛ لا قريش بعد اليوم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من دخل دار
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في اللقطة حديث 2434 ، ومسلم في الحج حديث 447 . ( 3 ) أخرجه عن أبي هريرة : مسلم في الحج حديث 448 . ( 4 ) أخرجه عن أبي شريح العدوي : البخاري في العلم حديث 104 ، ومسلم في الحج حديث 446 .